الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
83
نفحات الولاية
وأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ ، وفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ . فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا « 1 » » . فقد أشار الإمام عليه السلام هنا إلى نعمتين كبيرتين ؛ إحداهما السلامة والعافية والأخرى إعداد الإمكانات التي تمكن الإنسان من الإقدام على أي عمل . نعم فهو يحذر الجميع من استغلال هذه الفرص والخلاص من تبعات المسؤوليّة . وتشير العبارة « فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ » إلى سلسلة من التكاليف التي لا مناص للإنسان من القيام بها ، فقد كان السائد لدى الأقوام السابقة أنّ الدائن يستعبد المدين مالم يتمكن من أداء دينه ، ولا يعتق مالم يسدد ذلك الدين ، فالعبارة المذكورة يمكن أن تكون كناية عن هذا المطلب . والعبارة : « مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا » إشارة إلى أنّ الشخص المدين إن تخلف عن أداء الدين خرج عن ملكيته ما كان مرتهناً لدى المدين ( طبعاً بمقدار الطلب ) فقد أشار الإمام عليه السلام إلى ضرورة أداء الديون الإلهيّة والمراد بها الواجبات بغية تحرير رهائنهم لديه والمراد به أنفسهم . ثم واصل الإمام عليه السلام بالخوض في تفاسير العبارات التي ذكرها سابقاً بصورة كلية فركز على خمسة مواضيع وقال : « أَسْهِرُوا « 2 » عُيُونَكُمْ ، وأَضْمِرُوا « 3 » بُطُونَكُمْ ، واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ ، وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ ، وخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَلَا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا » . والمراد من « أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ » أسهروا عيونكم المناجاة في الليل سيما صلاة التهجد . « وأَضْمِرُوا بُطُونَكُم » إشارة إلى الصيام ، « واسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ » إشارة إلى قيام الليل أو السعي في قضاء حوائج الناس وإغاثة الملهوفين ، « وأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ » إشارة إلى الخمس والزكاة الواجبة والصدقات المستحبة « وخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ » إشارة إلى العبادة وتهذيب النفس والجهاد في سبيل اللَّه .
--> ( 1 ) . « رهائن » جمع رهينة . ( 2 ) . « اسهروا » من مادة « سهر » على وزن « سفر » بمعنى اليقظة في الليل . ( 3 ) . « اضمروا » من مادة « ضمور » على وزن « عبور » بمعنى الضعف وتتعدى في باب الأفعال .